اخبار

“إسرائيل” تحبس أنفاسها ترقباً لرد السنوار..

في الأول من أيار، اليوم الأربعاء، إسرائيل لا تحتفل ليس فقط لأن التكافل مع العمال والقيم الاشتراكية لا تتكاتب معها، فهي لم تحتفل كما يجب حتى بعيد الفصح، وتتصاعد الدعوات لإلغاء احتفالات “عيد الاستقلال” بعد أسبوعين، وذلك بسبب أجواء ثقيلة تخيّم عليها، في ظل فشل الحرب على غزة في تحقيق أهدافها العالية، رغم التهجير والتدمير والجرائم التي أوصلتها لكرسي المتهم داخل “محكمة العدل الدولية”، وجعلتها بعيون مئات ملايين البشر دولة منبوذة.

 في الأول من أيار، إسرائيل غير الرسمية تحبس أنفاسها ترقباً لردّ حركة “حماس” المتوقع اليوم على الصفقة المقترحة بوساطة مصرية، وسط مؤشرات متتالية على عدم اكتراث حكومتها برئاسة نتنياهو بالمزاج العام فيها الراغب بصفقة بدلاً من مواصلة الحرب واجتياح رفح.

هذا المزاج العام في الشارع الإسرائيلي اليوم ينتج عن ملتقى عدة عوامل، منها عدم تصديق رواية “النصر المطلق” بعد “حرب الشهور الستة” المتوحشة التي لم تحقق المطلوب، بعدما انتصرت إسرائيل على جيوش عربية في ستة أيام، وربما ست ساعات، التشكّك بنوايا وحسابات نتنياهو، انسحاب الاحتلال من مناطق واسعة من القطاع، الخوف من موت المحتجزين والعرض الأمريكي بتحالف عربي غربي الخ.

ويتكاتب هذا المزاج الشعبي مع موقف المؤسسة الأمنية، الراغبة بصفقة الآن بدلاً من اجتياح رفح، خاصة أن الجيش يرى المستوى السياسي بلا رؤية إستراتيجية، ويرفض تحديد ملامح ما يعرف بـ “اليوم التالي”، ويرفض صفقة فيها أفق سياسي، ما يعني بالنسبة للجيش مراوحة في المكان وحرب استنزاف.

ويضاف لذلك تحذيرات عددٍ غير قليل من المراقبين والجنرالات في الاحتياط من التورّط في “كمين إستراتيجي” داخل رفح، والتشكيك بجدوى العملية وتأثيرها على نهاية الحرب، وتقريبها من أهدافها المعلنة.

ويؤجج هذا المزاج العزلة الدولية لإسرائيل، إضافة لخلافات معلنة مع الولايات المتحدة حول نقاط معينة على طريقة إدارة الحرب وإنهائها، واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يدرك الإسرائيلي المتوسّط مدى تبعية وتعلّق إسرائيل بالحليفة الكبرى، الولايات المتحدة، وخطر استمرار التوتر معها، خاصة انعكاسه على الشارع الأمريكي، كما يتجلى في الجامعات وغيرها.

 54% يدعمون الصفقة المتداولة الآن
ويعكس هذا المزاج العام السائد داخل إسرائيل استطلاعٌ جديد يؤكد نتائج استطلاعات سابقة تظهر أن أغلبية الإسرائيليين (54%) يريدون صفقة الآن ونصفهم من أنصار حكومة نتنياهو، مقابل 20% يعارضونها. كما يكشف الاستطلاع الجديد أن 53 % من الإسرائيليين يعتقدون اليوم أن نتنياهو لا يفعل كفاية لاستعادة المخطوفين وأن17% فقط  منهم يصدقّون مزاعم نتنياهو بأن “إسرائيل على بعد خطوة واحدة من الانتصار”.

ومن المرجّح أن يتعمّق هذا المزاج نتيجة سماع الإسرائيليين وزيري المالية والأمن القومي سموتريتش وبن غفير وهما يهددان نتنياهو بلغة سوقية غير مألوفة في السياسة الإسرائيلية، من ناحية حدّتها ووقاحتها، وبدعوتها مجدداً لتدمير رفح والنصيرات بالكامل.

وتأتي هذه التصريحات التي تقطر دماً وكراهية رغم أن محكمة العدل الدولية سبق واستندت في تداولها دعوى جنوب إفريقيا ضد إسرائيل على تصريحات ساستها الدموية الداعية للحرق والتدمير والتجويع، وطالبت المحكمة وقف هذا التحريض. مثلما تأتي في ظل تقارير تقلق نتنياهو عن احتمال صدور مذكّرة باعتقاله مع عدد من القادة الإسرائيليين لتورّطهم بتجويع الغزيين عمداً. وينعكس هذا المزاج الداعم لصفقة، الممزوج بمسحة إحباط وغضب، نتيجة عدة عوامل منها سلوك بعض الوزراء الفوضوي الذي ينزع الأقنعة عن وجه إسرائيل، يحرجها ويلحق ضرراً بها في العالم.

 مَن الرأس ومَن الرئيس هنا!
ينعكس هذا المزاج المهيمن في مضامين مقالات رأي أيضاً، وتذهب صحيفة “هآرتس”، في افتتاحيتها، اليوم الأربعاء، لدعوة سموتريتش للاستقالة، على خلفية تصريحاته ودعواته للتدمير الكامل، التي تضع إسرائيل تحت طائلة القانون الدولي، وتقول بما أن سموتريتش لن يستقيل من تلقاء نفسه فإنها تدعو المستشارة القضائية للحكومة لـ “معالجته”.

وعلى هذه الخلفية، تساءلت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، في واحد من عناوينها الرئيسة اليوم: مَن الرأس ومَن الرئيس هنا؟ بسبب حدّة ووقاحة تصريحات بن غفير، أمس، وحقيقة مكان وزمان نشرها (مكتب رئاسة الحكومة، بعد دقائق من انتهاء اجتماعه مع نتنياهو). من غير المستبعد أن يكون نتنياهو وبن غفير على تنسيق سري خلف هذه الهجوم قبيل اجتماعه ببلينكن، اليوم، ليتمكّن من الزعم أنه مقيّد ويتعرّض لتهديدات وضغوط من داخل حكومته.

يشار إلى أن بن غفير وسموتريتش عارَضا الصفقة الأولى قبل خمسة شهور، وعادا ووافقا عليها، وفي المقابل، سبق ورفض سموتريتش مبدئياً تشكيل نتنياهو حكومة في 2021 برئاسته اعتماداً على عدة أحزاب، منها “القائمة العربية الموحدة” برئاسة منصور عباس، ما شق الطريق لولادة “حكومة التغيير” من قبل المعارضة برئاسة بينيت ولبيد. هذه الحقيقة تدفع بعض المراقبين الإسرائيليين للقول إن سموتريتش غيبي ومبدئي وسيسقط الحكومة هذه المرة أيضاً مقابل محلّلين آخرين يشيرون لاختلاف الأوضاع، وأنه لن يسارع لإسقاط الحكومة، خاصة أنه يرغب بمواصلة تسمين الاستيطان، وأن استطلاعات الرأي تتنبأ له بالسقوط في انتخابات مبكّرة.

تهديدات نتنياهو
بعد التهديدات المباشرة له من وزرائه، ظهر نتنياهو، مساء أمس، بالصوت والصورة، ويقول ما ينسجم مع موقف سموتريتش وبن غفير: “سنجتاح رفح، مع وبدون صفقة، من أجل تفكيك كتائب “حماس”، ونحقق النصر المطلق”. مؤكداً على أن “إنهاء الحرب قبل تحقيق أهدافها  غير وارد”.

 للوهلة الأولى، ربما يبدو أن هذه محاولة ذكية من نتنياهو لإنزال سموتريتش وبن غفير وبعض وزراء الليكود من المتشدّدين عن الشجرة تمهيداً لإقناعهم بصفقة مطروحة، لكن من يتابع توجهات ومآرب نتنياهو يرى بها محاولة إضافية لتعطيل مساعي الصفقة من خلال محاولة استفزاز “حماس” وتهديدها، وهذا ما يقوله مصدرٌ قطريٌّ كبيرٌ أيضاً.

وتنقل صحيفة “هآرتس”، اليوم، عن مصدر قطري رفيع، محجوب الهوية، قوله إن “هذا التهديد يعرقل المساعي، وإن عمليةً في رفح ليست رافعة ضغط على “حماس”، وتحول دون صفقة، وإن نتنياهو غير معني بها، وعملياً إسرائيل لا تنوي إنهاء الحرب”.

“وقف غير معلن للحرب”
في المقابل، تنقل الصحيفة ذاتها عن مصدر إسرائيلي كبير متداخل في المفاوضات، وغير سياسي، قوله إنه يدعم موقف نتنياهو بأن إسرائيل عرضت على “حماس” تأجيلاً جوهرياً وحقيقياً للعملية في رفح مقابل صفقة. كما تنقل عنه قوله إن التأجيل المقصود للحرب هو لعدة شهور، والمستوى السياسي لا ينوي إعلان إنهاء الحرب لعدة عوامل، منها تحاشي تفكك الحكومة. ويضيف: “تأمل إسرائيل أن “تراهن” حماس على أن إسرائيل لن تنجح بتجديد الحرب بعد هدنة شهور”.

رفض “حماس” للصفقة سينقذ نتنياهو
من جهة أخرى، يواصل عددٌ غير قليل من المراقبين الإسرائيليين التشكيك بنتنياهو، بل اتهامه بالتهرّب والمناورة.

 وتقول عضو الكنيست السابقة عن حزب “العمل” شيلي يحيموفيتش، في مقال بعنوان “الحياة صارت رخيصة”، تنشره “يديعوت أحرونوت”، إنها لا تصدّق ما تراه. وتعلّل ذلك بالقول إن نتنياهو، الذي قام برعاية “حماس” نكايةً بعباس، حتى تحوّلت لـ “غول مخيف”، يواصل تعزيزها، ينتظر رد فعلها، وماذا تقول، والسنوار يتدارس، والسنوار يبحث، والسنوار يقول.. وكأن إسرائيل غير موجودة… كل شيء السنوار  السنوار!”.

وتبعتها المعلقة السياسية في الصحيفة موران ازولاي بقولها إن نتنياهو قرر ألا يقرّر، وإن الأمر الوحيد الذي يمكن أن ينقذ نتنياهو اليوم ويخرجه من مأزقه وتردّده بين أن يكون قائداً ودبلوماسياً، وأن يكون ناشطاً سياسياً ورئيس حزب، هو رفض “حماس” للصفقة نتيجة تعنتها في مطلب إنهاء الحرب أولاً.

ويذهب محرّر الشؤون الشرق أوسطية تسفي بار إيل للقول، في صحيفته “هآرتس”، اليوم، إن سموتريتش وبن غفير هما “الجدار الواقي” للسنوار، وبفضلهما السنوار يؤدي لتقسيم الحكومة، كما فعل نتنياهو للفلسطينيين، ومساهمته في تكريس الانشقاق بين “حماس” والسلطة الفلسطينية.

ويضيف متهكّماً على نتنياهو الذي كان يسمح بنقل أموال من قطر لـ “حماس”، بل يطالبها بذلك أحياناً، لمواصلة إستراتيجيته التي انهارت في السابع من أكتوبر: “والسنوار يفعلها دون أن يطالب بتمويل فعله هذا”.

لا للاستسلام
ويرى زميله المعلق السياس سامي بيرتس إن عمليةً في رفح تمنع صفقة، ولا تستعيد الكرامة القومية، وإن نتنياهو يستطيع التأجيل لكن شركاءه يعرفون أنه لا يمكن الاعتماد عليه وعلى وعوده”.

في المقابل، يدعو عددٌ من الكتاب والمعلقين الإسرائيليين لمواصلة الحرب، متساوقين مع دعوات بن غفير وسموتريتش لـ “عدم الاستسلام”، وكذلك مع دعوة وزير التراث، الذي قال للإذاعة العبرية العامة، اليوم، مبرراً ضرورة استمرار الحرب، ورفض الصفقة المقترحة، إن “شعبنا لا يريد أن يرى إسرائيل تستسلم ويريد منا مواصلة الحرب”.

بين هذا وذاك، سيحاول وزير الخارجية بلينكن إقناع نتنياهو بقبول الصفقة في اجتماعهما، ظهر اليوم، والذي استبقه بلينكن بتحميل المسؤولية لـ “حماس”.

 وتنقل “هآرتس” عن مصدر دبلوماسي قوله إن “بلينكن معنيّ بالتثبت بأن نتنياهو غير معنيّ أن يراكم العراقيل أمام مساعي الصفقة. وسيطرح أمامه الفرصة الحالية لاختراق مع الرياض”.

يشار إلى أن واشنطن حتى الآن تعطي إسرائيل ضوءاً أصفر، حيال اجتياح رفح، وتنتظر المزيد من الخطط الكفيلة بعدم المساس بالمدنيين، كما يرد على لسان ساستها.

على الأرض؛ يواصل جيش الاحتلال استعداداته العسكرية، ويقول إنه مستعدٌّ لاجتياح رفح، التي تتعرّض أطرافُها الآن لهجمات جوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى