مقالات

في ذكرى وفاة قاهر المغول “قطز”.. كيف كان مقتل “أقطاي” بداية نهايته؟


03:56 م


الأحد 24 أكتوبر 2021

كتبت – آمال سامي:

“أساس الشكر التقوى وملاك التقوى الجهاد في سبيل الله، وجهاد النفس بكفها عن الآثام وردعها عن الشهوات، وجهاد العدو بدفعه عن بلاد الإسلام”…هكذا تحدث بطل “واإسلاماه” كما يروي لنا علي أحمد باكثير في ملحمته الأشهر، والقصة التي قرأتها أجيال كاملة، عن سيف الدين قطز، “محمود”، ورحلة كفاحه منذ نشأته وأسره، مرورًا بحياته وكفاحه ضد التتار، ثم مقتله على الظاهر بيبرس، في مثل هذا اليوم الرابع والعشرين من أكتوبر عام 1260م.

ملحمة حياة “قاهر المغول”..وقتله لـ “أقطاي”

تبدأ حكاية “واإسلاماه” بحوار بين جلال الدين خوارزم شاه ووزيره ممدود، إلا ان القصة التاريخية في جذور كتب التاريخ تروى صراحة بلا تذويق أدبي، فـ “محمود بن ممدود” هو ابن اخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه الذي تصدى بعد وفاة أبيه لهجمات المغول، واسترد منهم عدة مدن، إلا أنه هزم وقضي على دولته عام 1231م، وقتل على يد أحد الأكراد، أما قطز، أو محمود بن ممدود، فقد أسر وكان بين الأطفال الذين سباهم المغول وأخذوهم إلى دمشق ليباعوا لتجار الرقيق.

كان شابًا أشقر، وافر اللحية، تام الشكل، يصفه لنا الذهبي في سير أعلام النبلاء، مشيرًا إلى أصل هذا المملوك حر، وهو منسوب لابن أخت خوارزم شاه، لكن بعد أسره صار مملوكًا في دمشق، إلا أنه أنتقل إلى القاهرة ليصبح من مماليك عز الدين أيبك، زوج شجرة الدر، الذي تزوجته خصيصًا حتى تستمر في حكم مصر، ولقب حينها بالملك المعز، لكن كان زعيم المماليك البحرية “أقطاي” يستخف بالمعز ويتطلع إلى السلطنة، وينافسه فيها، ولا يترك موقفًا إلا أظهر قوته ونفوذه ومماليكه كأنه هو السلطان، وكانت خطة أيبك في التخلص من أقطاي هي بداية ظهور نجم سيف الدين قطز.

لم تكن هذه مشكلة أقطاي الوحيدة، إذ كان أصحابه يستولون على أموال الناس ويأخذون النساء غصبًا، فيروي علي أحمد باكثير في كتابه تفاصيل ذلك: “كانت أصحابه تأخذ أموال الناس ونساءهم وأولادهم بأيديهم، فلا يقدر أحد على منعهم، وكانوا يدخلون الحمامات ويأخذون النساء منها غصباً، وكثر ضررهم كثيرا، هذا والمعز يحصل الأموال، وقد ثقل عليه أقطاي، فواعد طائفة من مماليكه على قتله”، وهكذا تورط سيف الدين قطز في قتل أقطاي، وهو ما تسبب في مقتل قطز في النهاية، إذ يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: ” وهو الذي كان قتل الفارس أقطاي فقتل به ، ويسلم له إن شاء الله جهاده”.

هكذا تولى “قطز” مقاليد الحكم

كانت تلك الفترة من التاريخ مملوءة بالمؤامرات والدسائس والصراع على الحكم، فلم يسلم أيبك من الصراعات حتى بعد مقتل أقطاي، إذ تنافس هو وزوجته على الحكم حتى قتلا، وتولى ابنه “نور الدين علي بن المعز” الحكم، ولكن السلطة الفعلية أنتقلت إلى أكبر رجاله، وهو سيف الدين قطز، الذي استطاع بحنكة سياسية وعسكرية أن يتصدى لجحافل المغول بقيادة هولاكو الذين هجموا على مصر من جهة الشام بعد سقوط بغداد وتوالي سقوط مدن الشام في أيديهم.

في العشر الأخير من رمضان، وتحديدًا في الخامس والعشرين، في عام 658 هـ، الموافق 3 سبتمبر 1260م، انتصر المسلمين على التتار بعين جالوت وكانت صيحة “وا إسلاماه” هي عامل النصر في تلك المعركة، وأستعاد المسلمون ثقتهم بعد هذا النصر، وكانت أول مرة يستطيع المسلمون أن يقفوا أمام المغول وينقذوا العالم من شرورهم، وبعدها استطاع قطز استعادة بلاد الشام من أيدي المغول، وخطب له على مساجدها ثم قرر العودة إلى مصر.

“بيبرس” يقتل “قطز” غدرًا

“كان رجلًا صالحًا كثير الصلاة في الجماعة ولا يتعاطى المسكر” هكذا يصف ابن كثير الملك الظاهر بيبرس البندقداري، كان قد جاء إلى مصر ليطلب الآمان من ملكها قطز ويسانده في حربه ضد المغول، ولكن عقب الحرب اتفق بيبرس مع جماعة من الأمراء على قتل سلطانه قطز، وكانت الحيلة أن يطلب بيبرس من الملك امرأة من المغول، فوافقه على ما طلب، وقبل بيبرس يده، وكانت هذه هي إشارة انقضاض باقي الأمراء، فقبض بيبرس بشدة على يد قطز، وهوى بقية الأمراء عليه بسيوفهم، ويروي تلك الحادثة ابن كثير في البداية والنهاية قائلًا: “وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري قد اتفق مع جماعة من الأمراء على قتله، فلما وصل إلى هذه المنزلة ضرب دهليزه وساق خلف أرنب، وساق معه أولئك الأمراء فشفع عنده ركن الدين بيبرس في شيء فشفعه، فأخذ يده ليقّبلها فأمسكها وحمل عليه أولئك الأمراء بالسيوف فضربوه بها، وألقوه عن فرسه ورشقوه بالنشاب حتى قتلوه رحمه الله.

ثم كروا راجعين إلى المخيم وبأيديهم السيوف مصلتة، فأخبروا من هناك بالخبر، فقال بعضهم من قتله؟

فقالوا: ركن الدين بيبرس.

فقالوا: أنت قتلته؟.

فقال: نعم.

فقالوا: أنت الملك إذا”.

وهكذا انتهت حياة سيف الدين قطز غدرًا، “يا خوند اذبحني يا خند، ويل لي، قتلت سلطان المسلمين، قتلت هازم التتار، قتلت صديقي الكريم”، كانت هذه كلمات بيبرس بينما قطز يلفظ أنفاسه الأخيرة كما يصفها علي أحمد باكثير في رائعته “وا إسلاماه”، إلا أن المصادر التاريخية لا تذكر ندمًا لبيبرس على قتل قطز، إذ ذكر ابن خلدون في مقدمته وكذلك جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء ومعهم ابن كثير وغيرهم أن بيبرس كان يضمر في قلبه شرًا لقطز، وفي أفضل الروايات، كانت مشاركة بيبرس في القتل بأنه لم يدافع عنه حين أجهز عليه الأمراء ليقتلوه، بينما كان بوسعه منعهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى